Thursday, 19 October 2017


الأزمة الدبلوماسية التركية- الأمريكية: حازم عياد

left

الازمة الدبلوماسية التركية الامريكية ليست الازمة الاولى او الاخيرة للدبوماسية الامريكية؛ اذ انها تعبير آخر عن ازمة السياسة الخارجية الامريكية وتخبطها بتأثير من الاضطراب الاستراتيجي والازمة الداخلية، فقد سبقتها ازمة العلاقات الدبلوماسية مع روسيا والازمة والتوتر في العلاقات مع الباكستان، وتفجر ملف الاتفاق النووي الذي يمثل حصيلة جهد دبلوماسي للخارجية الامريكية، واخيرا وليس آخرا الازمة الخليجية والتعثر والعجز عن ايجاد مخرج مقبول لكل الاطراف الحليفة والصديقة للادارة الامريكية.
فالحسابات التركية الدقيقة والمتأنية على مدى اشهر سبقت الانفجار الدبلوماسي الكبير في التعامل مع الملف الكردي في سوريا والعراق ومسألة تسليم السلطات الامريكية زعيم جماعة الخدمة فتح الله غولن المتهم بتدبير الانقلاب الفاشل في تركيا قابله تهور امريكي بات واضحا في اداء السياسة الخارجية الامريكية اكثر من مرة وفي اكثر من ملف؛ اذ بات سمة اساسية في علاقاتها لا مع تركيا فقط بل مع القوى الدولية والاقليمية مشككا بكفاءة الدبلوماسية الامريكية ذاتها؛ خصوصا بعد توتير العلاقة الامريكية الباكستانية ومحاولة ممارسة ضغوط على باكستان تهدد دورها الاقليمي وامنها القومي وسلاحها النووي، الى جانب توتر كبير في العلاقة مع طهران افضى الى اعلان امكانية وقف العمل بالاتفاق النووي وتشديد العقوبات، وسبقها بشكل فاضح الازمة الدبلوماسية مع روسيا ادت الى تقليص البعثات الدبلوماسية والموظفين في كلا البلدين والاستيلاء على المباني ومقرات الاقامة والترفيه الخاصة بتلك البعثات.
الازمة الدبلوماسية التركية الامريكية بدورها ليست استثناء بكشفها عن حجم الملفات المعقدة والخلافية بين الحليفين، كاشفة في ذات الوقت عن ازمة السياسية الخارجية الامريكية وتشتتها، وازمة وزارة الخارجية الامريكية ذاتها التي تعاني بدورها من اعباء متزايدة وخلافات عميقة ادت الى تفكير الرئيس الامريكي ترمب بحل «ابداعي» ينهي اللغط الاعلامي حول علاقته بوزير خارجيته تيلرسون يتضمن اخضاع  نفسه ووزير خارجيته لاختبار الذكاء للتأكد من صحة الانباء المتداولة حول انتقادات لاذعة وجهها تيلرسون لترمب في غيابه؛ قال فيها أنه «أحمق»، فأزمة السياسة الخارجية الامريكية لا تعبر بالضرورة عن استراتيجية ورؤية بقدر ما تعبر عن فوضى وتصارع بين مراكز القوى امر لم تتوانى الناطقة باسم الخارجية عن نفيه في الازمة الاخيرة.
فالتصعيد الدبلوماسي بين واشنطن وانقرة ترافق مع زيارة الرئيس التركي كلاً من ايران واوكرانيا وصربيا؛ ذلك ان تصريحات الرئيس التركي حول الازمة الدبلوماسية التركية الامريكية جاءت في ذروة الانشغال و النشاط السياسي والدبلوماسي التركي في كل من البلقان ومنطقة الحزام الاوراسي.
فالازمة الدبلوماسية بين واشنطن وانقرة ألقت بثقلها على الدبلوماسية التركية النشطة، فالرئيس التركي اردوغان صرح من العاصمة الصربية بلغراد بالقول ان تركيا لم تكن المبادرة بوقف التأشيرات او تفجير الموقف وتصعيده، داعيا الخارجية الامريكية الى اقالة السفير الامريكي «جون باس» في حال كان قرار وقف التأشيرات جاء دون مشاورة مسؤولية الكبار في واشنطن الذين لم تنجح الجهود الاخيرة في التواصل معهم لإنهاء الازمة قبل تفجرها، معلنا عن مقاطعة بلاده السفير الامريكي وعدم اعتراف الحكومة التركية به وامتناعها عن تنظيم حفل وداعي له؛ اذ انه سيغادر الى كابول كسفير هناك بعد ايام قليلة.
في المقابل فإن رئيس الوزراء التركي يلدرم ألمح ايضا الى ان تركيا لم تكن المبادرة في تفجير الازمة الدبلوماسية؛ في اشارة منه الى اعتقال رجل الاعمال التركي من اصول ايرانية «رضا ضراب» والتي سبقها بأشهر توقيف رجل الاعمال «زكي اكبال» الذي سرعان ما اطلق سراحه حينها.
توقيف « ضراب « تم دون مشاورة الحكومة التركية او موافقتها لم يفجر ازمة تأشيرات او ازمة دبلوماسية كبرى حينها، في حين أدى اعتراض امريكا على اعتقال مواطنين اتراك يعملون في القنصليات الامريكية متهمون بتهم خطيرة تتعلق بالتجسس والتواصل مع فتح الله غولن في امريكا، وهو المطلوب رقم واحد في حادثة الانقلاب الذي ترفض امريكا تسليمه للقضاء التركي اطلق العنان لهذه الازمة.
الملف مثقل جدا وذو حمولة كبيرة جدا يتداخل بملف الانقلاب وملف العقوبات على طهران والذي طال تركيا بطريقة او اخرى من خلال اعتقال احد مواطنيها؛ في حين ان تركيا معنية في المقابل بحماية امنها القومي بملاحقة العناصر الانقلابية واعتقالها والمطالبة بتسليمها، امر ترفض الولايات المتحدة الامريكية التعاطي معه، في المقابل لا تتذرع عن مضايقة رجال الاعمال الاتراك واعتقالهم  امر اسهم في تفجير الازمة الدبلوماسية، ودفع تركيا الى التصعيد وفتح الملفات كافة دفعة واحدة.
فتركيا اتهمت الموظف في القنصلية الامريكية بالتواصل مع اكثر من 120 من المتورطين في الانقلاب والمعتقلين لديها، الى جانب تواصله مع عدد من الفارين الى الخارج؛ في حين استدعت موظفا ثانيا للتحقيق وسعت الى اعتقال ثالث تحصن بمبنى السفارة الامريكية.
الناطقة الرسمية باسم الخارجية الامريكية السيدة نويرت قالت ردا على الاتهامات التركية بأن «هؤلاء الأفراد الثلاثة يعملون على قضايا إنفاذ القانون وكجزء من عملهم، يطلب منهم الاتصال بالمسؤولين عن إنفاذ القانون والمحققين الآخرين وعندما تبدأ حكومة تركيا في التشكيك في قدرة موظفينا المحليين على القيام بذلك، يصبح لدينا بعض الأسئلة الخطيرة جداً حول هذا الموضوع».
لم تتوقف نويرت عند هذا الحد بل ذهبت الى الاشادة بالسفير الامريكي والقول «إنّ السفير «باس» يتمتع بدعمنا الكامل، ليس هنا في وزارة الخارجية فحسب، ولكن أيضاً في البيت الأبيض»؛ ما يعني ان ازمة التأشيرات والازمة الدبلوماسية لا تعد حادثة عابرة بل ازمة متراكمة كما هو واضح في تصريحات الناطقة باسم الخارجية الامريكية؛ والتي اكدت ضرورة السماح للمحامين بمقابلة الموقوفين كبداية لتخفيف حدة التوتر، ورغم ذلك كله فإن الناطقة باسم الخارجية لم توضح او ترد على ما ذهب اليه يلدرم بضرورة الافراج عن رجل الاعمال التركي او تسليم فتح الله غولن.
الازمة الدبلوماسية بين امريكا وتركيا باتت ككرة الثلج المتدحرجة التي جمعت في طريقها كل الملفات العالقة بين البلدين على رأسها ملف الانقلاب وتسليم فتح الله غولن وملف العلاقة التركية الايرانية وملف الازمة الكردية والازمة الخليجية والتطورات الاقليمية المرتيطة بالملف السوري، الى جانب التطور الاستراتيجي في العلاقة التركية الروسية والتي توجت بتوقيع اتفاقية شراء منظومة الدفاع الجوي «اس 400» الروسية.
وليس اخيرا التحرك التركي النشط بعيدا عن اعين الناتو والاستراتيجية الامريكية الممثلة بالعلاقة مع اوكرانيا وصربيا؛ فتركيا تملك تاريخا مشتركا مع هذه الدول وقادرة على لعب دور الوسيط والحليف في ذات الوقت للتخفيف من اعباء الازمات المعلقة في كلا البلدين، والتي تبدي الولايات المتحدة الامريكية قدرا كبيرا من الجمود والتخاذل في التعامل معها خصوصا اوكرانيا المستاءة من الوهن والمراوغة الامريكية خصوصا بعد تولي ترمب سدة الرئاسة؛ فتركيا قادرة على لعب دور الحليف والوسيط في ذات الوقت بين روسيا واوكرانيا، كما انها قادرة على لعب دور الوسيط بين كوسوفو والبوسنة وصربيا في البلقان بما تملكه من ارث وقدرة ومرونة على علاج هذه الاشكالات والازمات المعلقة التي تستنزف الدول المنخرطة فيها. 
فأزمة في العلاقات الامريكية التركية لم تعد تقتصر على سوريا وايران وكردستا العراق والازمة الخليجية وروسيا في غرب اسيا، بل تمتد الى ملفات عديدة تراها واشنطن مزعجة في المرحلة الحالية، ملفات ما كان لها ان تكون لولا الموقف السلبي الامريكي من عدد من الملفات المشتركة والخذلان المستمر للاتراك على مدى الاعوام السابقة، معززة الشكوك والفجوة بعد المحاولة الانقلابية في تموز العام الماضي الى جانب الدعم الكبير للاكراد الانفصاليين في سوريا.
واشنطن لم تظهر اي رغبة في المبادرة وتخفيف التوتر او تصحيح المسار الاستراتيجي في العلاقة مع تركيا بل ذهبت بعيدا في تفجير مزيد من الازمات واحدة تلو الاخرى، مفاقمة من حجم الضغوط على العلاقات التركية الامريكية؛ فأنقرة وإزاء شعورها بالتهديد لم تتوان عن المبادرة بردود قوية على الاجراءات الامريكية الدبلوماسية شملت وقف اعطاء التأشيرات للمواطنين الامركيين فرغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة المتوقعة لهذا الاجراء الذي يتهدد العلاقة الاقتصادية والتجارية التي فاق حجمها هذا العام بـ 17 مليار دولار على شكل تبادل تجاري، الا ان تركيا فضلت المواجهة على التضحية بأمنها القومي؛ فـ 17 مليار دولار مبلغ زهيد اذ ما قورن بحجم الاضرار التي ستلحق بتركيا ان تنازلت عن مصالحها ورؤيتها الاستراتجية والامنية، والاهم انه بالإمكان تعويضها بتطوير العلاقات مع الصين وروسيا وعدد من القوى الاقتصادية الدولية والاقليمية الصاعدة؛ مسار رسمته الولايات المتحدة من خلال مراكمة الاخطاء الادارية والبيروقراطية والقانوينة وليس من خلال استراتيجية واضحة المعالم ومحسوبة سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا على الارجح.

left

شارك هذا المقال

Submit الأزمة الدبلوماسية التركية- الأمريكية: حازم عياد in Delicious Submit الأزمة الدبلوماسية التركية- الأمريكية: حازم عياد in Digg Submit الأزمة الدبلوماسية التركية- الأمريكية: حازم عياد in FaceBook Submit الأزمة الدبلوماسية التركية- الأمريكية: حازم عياد in Google Bookmarks Submit الأزمة الدبلوماسية التركية- الأمريكية: حازم عياد in Stumbleupon Submit الأزمة الدبلوماسية التركية- الأمريكية: حازم عياد in Technorati Submit الأزمة الدبلوماسية التركية- الأمريكية: حازم عياد in Twitter