Monday, 18 December 2017


لو نطق المنسف!: حلمي الأسمر

left

لدي شعور طاغ أن أشهر المأكولات الشعبية في الأردن وهو المنسف، في طريقه إلى الانقراض، وسيتحول إلى أحفورة صخرية في ذاكرتنا الجمعية، وسيغدو سؤال: متى آخر مرة أكلت فيه المنسف، مترددا على ألسنة الآلاف من المواطنين، إن لم يتحول فعلا، بوصف هذه الأكلة صارت صنفا نخبويا جدا، حتى ولو كانت على دجاج، فما بالك باللحم البلدي والجميد الكركي والسمن البلقاوي؟؟
أتخيل أن المتحف الوطني سيضم زاوية خاصة بالمنسف، سنقرأ على بابها لافتة تقول: هذا ما بقي من أشهر الأكلات الأردنية، وستضم في زواياها بضع حبات من الجميد، وجمجمة وعظام خروف بلدي، وسدرا فيه حبات ناشفة من الأرز، وآنية شراب، وصورا تذكارية لآخر من تناول هذه الأكلة من الفقراء، وما شابه مما يبقى من آثار بعد وجبة منسف حقيقية!
وأتخيل أن كتب التاريخ ستضم فصلا خاصا بالأكلات التي سادت ثم بادت، وسيحتل المنسف وحدة كاملة، تتحدث عن تاريخ هذه الأكلة وكيف كانت في يوم ما شعبية، ثم غدت نخبوية، وسيأتي يوم يسأل تلميذ معلمه أو والده: شو يعني منسف؟ وسيحك المسؤول جبينه في حيرة بالغة محاولا أن يتذكر: متى كانت آخر مرة أكل، أو شاهد فيها منسفا؟ وسيقول بعد تنهيدة كبيرة: إيه يا ولدي، كان هذا منذ وقت طويل جدا، حتى أنني لم أعد أذكر متى، ما أذكره يا بني أن هذا كان في بداية الألفية الثانية، حين تعولمنا وأدركتنا موضة تحرير أسعار المحروقات، والخصخصة، وتغول اقتصاد السوق!
وأتخيل أيضا، أن أمين عاصمتنا في وقت ما، سيكلف أحد النحاتين لإنشاء منحوتة أو صرحا للمنسف، وسيخصص أحد الدواوير الرئيسة لاحتضان هذا النصب التذكاري، كي تتذكر الأجيال القادمة أنه كان لدينا في وقت ما أكلة شعبية تسمى المنسف، وأتخيل أيضا أن احتفالا مهيبا سيقام في ميدان المنسف، حيث يقوم الصرح التذكاري له، يجري فيه ذكر فضائل هذه الأكلة وذكريات كبار السن عنها، وكيف كان الرجال يتبارون في شق طريقهم وسط الأرز، ويتشارطون أيهم أسرع في الوصول إلى الطرف الآخر من السدر، كما ستروى في الاحتفال طرائف وحكايات الرجال حين كانوا يتحلقون حول المنسف، قبل أن ينقرض ويغدو فلكلورا شعبيا، يقيم في الذاكرة الجمعية!
قبل أن نصل إلى هذه المرحلة، أقترح أن تخصص الحكومة يوما وطنيا للمنسف، نودع فيه هذه الأكلة، ونأخذ الصور التذكارية معه، ونعمد إلى الاحتفال سنويا بهذه المناسبة، مناسبة تناول: المنسف الأخير، على غرار العشاء الأخير!!
هذه خواطر قديمة، عن أكلتنا الوطنية، التي فقدت وطنيتها أو كادت مع ارتفاع «مستلزمات الإنتاج» بعيدا عن أيدي عامة الشعب، استحضرتها اليوم لغاية في نفس من يشتهيه ولا يطوله!
ملاحظات خارج النص:
بالمناسبة، وطني ليس منسفا يتبارى الأَكَلةُ في التهامه، كل واحد وذراعه وما يطول، وأنا لست خروفا، ولن أكون!
ملاحظة ثانية: إن كان المنسف قادرا اليوم على حل أعتى المشكلات، و»تقريب!» وجهات النظر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فأنا من جهتي أعلن أنني سأعتبر هذه الأكلة التي يُتخم بها الأغنياء، ويفتقدها الفقراء، أكلة خارجة عن القانون، اعني قانون مطبخنا، وسأضرب عن تناولها، باعتبارها «طابورا» خامسا للتآمر على مصلحة الشعب!
ملاحظة ثالثة: لو «نطق» المنسف إياه، ماذا كان سيقول، بل هل كان يرضى أن يكون «واسطة خير» بين من «يأكلونه» وبين من يتمنون رؤيته؟ لو نطق المنسف، لتبرأ ممن تكأكأوا عليه أكلا وفتكا!

left

شارك هذا المقال

Submit لو نطق المنسف!: حلمي الأسمر in Delicious Submit لو نطق المنسف!: حلمي الأسمر in Digg Submit لو نطق المنسف!: حلمي الأسمر in FaceBook Submit لو نطق المنسف!: حلمي الأسمر in Google Bookmarks Submit لو نطق المنسف!: حلمي الأسمر in Stumbleupon Submit لو نطق المنسف!: حلمي الأسمر in Technorati Submit لو نطق المنسف!: حلمي الأسمر in Twitter