2020-05-31

من كتاب “إعسار صحافي/ باسم سكجها”: الأسبوعيات: اذكروا محاسن موتاكم!

left

 

1

 

حاولت التملّص من الموافقة على تمثيل تجربة إصدار الصحف الأسبوعية في الأردن، ولكنّ صديقي وزميلي الأستاذ عمر عبندة كان حاسماً: بدك تيجي، يعني بدك تيجي، والدكتور معروف البخيت سيكون رئيس الجلسة، وهو الذي سيقدّمك. ولأنّني لا أستطيع أن أرفض أمراً للأستاذ عمر، ولا يمكنني أن أخلف موعداً للبخيت، ذهبت إلى مؤتمر نقابة الصحافيين في البحر الميت.

 

لم أحضّر ورقة، وحين قدّمني الدكتور الدمث المحترم معروف بكلمات حميمة، حنونة، تحتفل بتجربتي الصحافية، لم أكن أعرف ماذا سأقول، ولكنّني قرأت في سرّي : اللهم يسرّ لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، وعلى المايكروفون بدأت بالحديث : 

أذكروا محاسن موتاكم!

 

وكان ذلك في العام ٢٠٠٩

 

عُدت في حديثي إلى الماضي، مستذكراً المسيرة العامّة، فقد حفل تاريخ الصحافة الأردنية بالصحف الأسبوعية، وكان هناك العشرات منها في الخمسينيات والستينيات، ولكنّها كلّها شهدت مذبحة  حقيقية في العام ١٩٦٧ ، مع صدور قانون دمج الصحف، فألغيت كلّ التراخيص، ولم توافق الحكومات على الترخيص الجديد لأيّ منها باستثناء أخبار الاسبوع لصاحبها الاستاذ المرحوم عبد الحفيظ محمد، وبعدها بسنوات قليلة تمّ الترخيص لـاللواء لصاحبها الأستاذ المرحوم حسن التل، وفي بدايات الثمانينيات رُخّص لصحيفة شيحان باعتبارها متخصصة بشؤون مدينة الكرك، ولكنّ صاحبها الدكتور رياض الحروب أصدرها من عمّان، وشيئاً فشيئاً، وسنة بعد سنة، كان يتحرر من التخصص لتصبح شيحان شاملة، إقتصادية إجتماعية، وتتضمّن بعض الموضوعات السياسية، وتصدّرت الساحة تدريجياً بحجم توزيع كبير، وبدا واضحاً أنّ السوق الصحافية الأردنية تعيش حالة شغف لتجديد الدماء.

 

ولمّا كانت القوانين والأعراف، وظلم المسؤولين، تمنعني من إصدار صحيفة أسبوعية أردنية مرخّصة أردنياً، فقد تحايلت على القانون، وأعدتُ إصدار أسبوعية والدي: آخر خبر بعد أربعين عاماً بالتمام والكمال، وكتبت في إفتتاحيتها: البدوي يصبر ولو لأربعين سنة، ولكنّه يأخذ ثأره في آخر الأمر!

 

ولتلك قصّة تستأهل أن تروى في الكتاب، وقد عرضتُ تفاصيلها أمام ذلك الحشد الحميم من أكثر من مئتي صحافيّ في البحر الميت، في مؤتمر نادر نظّمته نقابة الصحافيين في عهد الأستاذ عبد الوهاب الزغيلات، ولم يتمّ بعدها البناء عليه!

 

نعم … فقد "تحايلت" على القانون والسياسة المكرّسة، ولكنّني كنت قانونياً تماماً، مع فهمي الأكيد للحظة السياسية التاريخية الجديدة…

 

 وهذا دون زيادة أو نقصان!

 

2

 

 بصراحة، كان على خريف الصحافة الطويل أن ينتهي، اليومية منها والأسبوعية أيضاً، كما كان على خريف الأردن كلّه أن تنقشع غيومه العرفية السوداء، فقد جاء شهر نيسان ١٩٨٩ ، بما تضمّنه من أحداث عنف شعبية إحتجاجية مطلبية، بدءاً من الجنوب حيث معان والطفيلة والكرك، وصولاً إلى السلط، ليكاد يلامس عمّان.

 

فقد جاء نيسان، في ذلك العام، مملوءاً بوعد أردني غامر التفاؤل  بمرحلة جديدة حملت عنوان التحوّل الديمقراطي، حيث الحرية والتعددية وقبول الرأي الآخر، فقطع جلالة الحسين الراحل رحلة مهمّة إلى واشنطن، وأقصى الحكومة، وجاء بأخرى إنتقالية ملتزمة بانتخابات نيابية حرّة وشفافة، وخلال أشهر كان شكل الأردن ومضمونه يتغيّران، حيث أتى الوعد بالديمقراطية الحقيقية، والعودة عن كلّ المرحلة العُرفية السابقة.

 

إنتخب مجلس نواب، هو الأفضل في تاريخنا المعاصر بإجماع الآراء، في ظلّ قانون إنتخابي كان وما زال الأحسن حتى الآن، ولكنّ ومع الحكومة الجديدة، برئاسة السيد مضر بدران، كانت الأمور صحافياً تسير ببطء، فقد ظنّ الرئيس أنّه حين أعاد  أصدقاءه إلى الرأي“: الأساتذة محمود الكايد ومحمد العمد الذي تربطه به علاقة مصاهرة لصيقة أصلاً، وصار سليمان عرار رئيساً لمجلس النواب، كما عاد تدريجياً الأستاذان محمود الشريف وكامل الشريف إلى الدستور، وكأنّ شيئاً لم يكن…

 

أزعم بأنّني التقطت تلك اللحظة التاريخية، فقد كان على أحد في الصحافة أن يتحرّك، وأن تكون السلطة الرابعة جزءاً أصيلاً ممّا يجري، وأن يتمّ خلق أدوات جديدة غير تلك المعروفة تقليدياً، مع أنّ هذه بدأت بمحاولة إعادة إنتاج نفسها، وساعدني أنّني كنت حينها رئيساً لقسم الشؤون البرلمانية في الرأي، الصحيفة التي اختطفتها المرحلة العُرفية، وشاهد عيان لعودة رئيس تحريرها المقصي محمود الكايد، مع تشكيل أوّل حكومة ستواجه البرلمان الجديد، وتلك قصّة يمكن قراءتها في صحافة، ولكن!“، ضمن هذا الكتاب.

 

بإختصار: كانت الطرق مفتوحة لإصدار صحيفة أسبوعية مختلفة، وهكذا فقد كانت صحيفتي آخر خبر أوّل الغيث الذي سيأتي بفيضان صحف، بعد سنة أو أقلّ قليلاً!

 

 

3

 

قُلت إنّني تحايلت على القانون، ولكنّني كنتُ قانونياً تماماً، فقد أصدرت صحيفتي من خارج الأردن، بترخيص قبرصي سهل، ساعدني عليه الأستاذ الكبير محمد كعوش، ولكنّها كانت تُطبع في الأردن، فتوزّع في اليوم نفسه في أنحاء البلاد، ولكنّ كان عليها أن تمرّ على دائرة المطبوعات، بحثاً عن الختم الثمين!

 

وهكذا، فهي ليست أردنية،

ولكنّها كانت أردنية حتى النخاع!

 

وكما تحايلت على القانون وغلبته، فقد تحايلت على طريقة الطباعة وغلبتها، لأنّ تجربتي بإصدار مجلة صوت صورة في المنطقة الحرّة بالزرقاء علّمتني الكثير من حيث تقنيات الطبع على الماكنات غير المخصصة للصحف، وإدخال مطبوعة إلى الأردن، مطبوعة في المنطقة الحرّة بختم من دائرة المطبوعات.

 

وبعد تجارب عديدة على الأحجام، توصّلتُ إلى كيفية طباعة صحيفة بحجم مختلف، وبالورق الأبيض الذي ليس له علاقة بورق الصحف، واتفقّت مع المطبعة التي أكنّ لأصحابها بالفضل الكبير، وأظنّني ساعدتهم بعدها كثيراً لأنّ كثيرين غيري لجأوا بعدها إلى الطريقة نفسها، وبالحجم والإخراج التقريبي نفسه، وراج عملهم، والرزق على الله!

 

ذلك كلّه كان يتعلّق بالشكل، وبالطباعة، ولكنّ المضمون الذي تحتويه الصحيفة كان الأهمّ، ومع ذلك فقد كان ذلك آخر همّي، لأنّني حضّرت مسبقاً المواد التي تحتويها الصفحات الداخلية،  وكانت جيّدة ومختلفة عن الموجود، وظلّ ينقصني الموضوع الرئيسي، ولكنّه أتى بسرعة، حيث الشيخ عبد المنعم أبو زنط الذي كان مجهولاً من المجتمع الأردني، مع حصوله على أعلى الأصوات على مستوى المملكة.

 

 رتّبت معه لقاء في بيته في حي نزال العمّاني، وكان حواراً طويلاً، وفي آخره سألته: كنتَ تقول إنّك قدّوم على رؤوس الفاسدين، فماذا تقول الآن، وقد أصبحت عضواً في مجلس النواب. قال: كُنتُ قدّوماً على رؤوسهم وأصبحت منشاراً على رقابهم، فخرجت آخر خبر بعنوان: كنتُ قدّوماً وأصبحت منشاراً، ونفد العدد الأوّل من الأسواق بسرعة البرق!

 

ذلك النوع من العناوين الصحافية الرئيسية لم يكن مألوفاً في صحافتنا المحافظة، ولهذا فقد تمّ هضمه لدى الجمهور باعتباره خروجاً على العاديّ المملّ، وأعترف الآن بأنّه لم يكن له سبب مهنيّ سوى جذب القارئ، ومع تكرار هذا النوع من المانشيتات تكرّس نوع جديد ليس فقط في العناوين، ولكنّ في الموضوعات أيضاً، ولعلّها إنتقلت بعد حين إلى المواقع الإلكترونية.

 

 وتلك قصّة أخرى...

وللحديث بقية!

 

left

شارك هذا المقال

Submit من كتاب “إعسار صحافي/ باسم سكجها”: الأسبوعيات: اذكروا محاسن موتاكم! in Delicious Submit من كتاب “إعسار صحافي/ باسم سكجها”: الأسبوعيات: اذكروا محاسن موتاكم! in Digg Submit من كتاب “إعسار صحافي/ باسم سكجها”: الأسبوعيات: اذكروا محاسن موتاكم! in FaceBook Submit من كتاب “إعسار صحافي/ باسم سكجها”: الأسبوعيات: اذكروا محاسن موتاكم! in Google Bookmarks Submit من كتاب “إعسار صحافي/ باسم سكجها”: الأسبوعيات: اذكروا محاسن موتاكم! in Stumbleupon Submit من كتاب “إعسار صحافي/ باسم سكجها”: الأسبوعيات: اذكروا محاسن موتاكم! in Technorati Submit من كتاب “إعسار صحافي/ باسم سكجها”: الأسبوعيات: اذكروا محاسن موتاكم! in Twitter