2020-02-17

من إعسار صحافي”… وثيقة مفاوضات سريّة اسرائىلية فلسطينية الكباريتي وعريقات، وإكرام الخبر نشره!

left

1

 

في تلك الأيام والسنوات، كنتُ، موزّعاً بين وجودي في الرأي معتنيّاً بالشؤون الفلسطينية، ومراسلاً لـالقُدس العربي من عمّان، وصاحب ورئيس تحرير صحيفة آخر خبر الأردنية الأسبوعية!

 

ببساطة: كُنتُ أحمل ثلاث بطيخات بيديّ الإثنتين!

 

وقُبيل مساء ما، من ربيع العام ١٩٩٢، كنّا، الأستاذة وفاء عمرو وأنا، نحتسي القهوة على بلكونة غرفة في فندق فيلادلفيا/ هوليداي إن/لاند مارك- الآن في ضيافة القيادي الفلسطيني فُلان (.. ولن أذكر إسمه لسبب وعدي له ذلك، وكان من الصفّ الثاني) وكانت الأخبار الفلسطينية، بالطبع، تحتلّ عناوين صحافة العالم لسبب مؤتمر مدريد وتداعياته..

 

ومع أنّ الرجل متمرّس في النضال والسياسة، فقد حاورناه، وناورناه، ولعبنا معه لعبة القط والفأر، وبعد شدّ وجذب طويلين، كان يُفصح لنا لماذا هو هُنا في عمّان، لليلة واحدة فحسب، عائداً إلى الضفة الغربية، من زيارة سريعة سريّة لمدينة أوروبية!

 

ولوفاء عمرو أسلوبها الهادئ المتمكّن في الحوار المتمرّس، ومن خلاله فقد إستدرجت الرجل إلى ذلك الإعتراف، وجاء دوري لأثير إنفعاله وإعترافه الصريح: بأنّه عضو ضمن مجموعة خاصة تُفاوض الإسرائيليين سرّاً، وحين إستفززته أكثر، وأكثر، كان يذهب مُسرعاً إلى حقيبته ليُخرج ملفاً ويقدّمه لنا، ويشرح الأوراق: هذا مشروع إتّفاق فلسطيني إسرائىلي، وتلاحظون تصليحات أبي مازن عليها (محمود عباس) بالقلم الرصاص!

 

كان واضحاً أنّ الرجل ليس راضياً عمّا يجري، مع أنّه عضو في الوفد السرّي، ولهذا فمع قليل من مناكفتنا، واستفزازنا المضاعف، ورضاه الضمني على التسريب، وافق على إعطائنا جزءاً من الملفّ، متضمّناً تصليحات أبي مازنالأولية، على شرط أن نعده بعدم النشر، وباعتبار الأمر للمعلومات الشخصية فحسب، وفي مطلق الأحوال بعدم ذكر إسمه!

 

وعالمنا الصحافي، الحقيقي، لا يعرف السريّة!

 

فقد كان لدينا، في تلك الليلة، الأستاذة وفاء، وأنا، كنز صحافي ثمين، يتضمّن معلومات تنسف ما يجري في العلن، فالوفد الأردني الفلسطيني المشترك يُفاوض الإسرائىليين في واشنطن، وهناك قناة فلسطينية إسرائيلية تتفاوض في أوروبا تحت الطاولة، وكلّ ذلك بعيداً عن أعين الأردنيين والفلسطينيين، والحلقة العارفة لا تتعدّى مجموعة أشخاص، من قيادة منظمة التحرير والقيادة الإسرائيلية.

 

غادرنا الفندق عند المغرب، ولم يكن بإمكان وفاء أن تنشرها في صحيفة الدستور التي كانت تعمل معها، فرجوتها أن تتركها لي لأنشرها في آخر خبر التي ستصدر بعد أيام، أو في القُدس العربي بعد غد، فوافقت، وقالت: إفعل بها ما تشاء! ولكنّ الأقدار وضعت الخبر الموثّق على العنوان الرئيسي لـالرأي في اليوم التالي مباشرة!

 

2

 

يعرف المؤمنون أنّ إكرام الميت دفنه، ويعرف الصحافيون الحقيقيون أنّ إكرام الخبر نشره، ولهذا فقد ذهبت إلى الرأي، حيث أعمل مساء، فكتبت مقدّمة حيادية، وبعدها التفاصيل مع تحليل سريع، وأرفقت بها صور الوثيقة، وبعثت بها إلى رئيس التحرير أستاذي محمد الكايد، وبعد دقائق كان مدير التحرير الأستاذ أحمد سلامه يُغلق باب المكتب عليّ، ليسألني عن مصداقية الأمر، وبعد دقائق كان الكايد يستدعيني لاستجواب مماثل، وبعد قليل، كانت الأوراق تذهب إلى المطبعة.

 

وكما في العمل السياسي السرّي، حافظنا في تلك الليلة على السريّة، فلم يعرف أحد من الزملاء أنّ الرأي ستحمل عنواناً، على طول عرض الصفحة الأولى، عن الوثيقة السريّة من المفاوضات الجديّة الفلسطينية الإسرائىلية، بقيادة محمود عباس، ولم يكن وقتها من مشاهير السياسة، وجاء اليوم التالي حاملاً زوبعة لم تكن في فنجان!

 

كُنتُ كتبت الموضوع حاملاً إسمي الصريح، ولكنّ محمود الكايد رأى أن يظهر بتوقيع: محرر الشؤون الفلسطينية، وفي الصباح كان هناك من يتّصل من الجانب الفلسطيني مهدّداً متوعداً نافياً ما يحصل، وعلى رأسه الأستاذ صائب عريقات الذي حوّل رئيس التحرير هاتفه إلى أحمد سلامه، واشتبكا في ما يشبه الصراخ، فهذا ينفي وذلك يؤكد، وما بينهما كنتُ أستمع لردود سلامه الواثقة تماماً بالوثيقة والتحليل، وقال له: من حقّكم النفي أو التوضيح وسننشره غداً في المكان نفسه إذا أردتم!.

 

الأستاذ صائب عريقات، على ما يبدو، لم يكن على علم بما يجري من مياه تحت الجسر، فقد كان عضواً في الوفد الأردني الفلسطيني المشترك، وحين فهم حقيقة الأمر عاد إلى مرجعياته، ولم يأتنا بعدها أيّ ردّ من أيّ نوع!

 

ولكنّ الجانب الأردني كان هادئاً، محاولاً الفهم.

 

3

 

 

كان الأستاذ عبد الكريم الكباريتي وزيراً للعمل، ويبدو أنّه كان يُهيئ نفسه لوزارة الخارجية، فاتّصل بسلامة باحثاً عن مصدر الخبر، ومصداقيته، فأكّد له المصداقية وعدم معرفته المصدر، وقال له: عليك أن تسأل صديقك باسم سكجها، فهو صاحب الموضوع، واقترح عليه أن ينضمّ إلينا في المساء، على مأدبة عشاء مصغّرة يقيمها الصديق بكر العبادي في منتزه عمّان القومي، فوافق.

 

كان يُفترض أن يمرّ عليّ أحمد بسيارته، ولكنّني فوجئت بالسيارة الحكومية التي يقودها أبو عون، وإلى جانبه صديقي، فخمّنت السبب وهو الوثيقة السريّة. لم ينتظر الكباريتي سوى دقائق استغرقتها الأحاديث المعتادة، وسارع إلى القول: كلّفني جلالة الملك صباحاً بالاتصال بالسفير الأميركي لسؤاله عن المباحثات السرية، فأنكر السفير أيّ معرفة واستمهلنا وقتاً للعودة إلى واشنطن للاستفسار، ووجّه لي السؤال المباشر، وهو يتطلّع إليّ عبر المرآة: ما رأيك يا باسم؟!

 

قُلت: الأمر مؤكد، وأنا أتحمّل مسؤوليته، ومنظمة التحرير لم تنف ذلك، وهنا يأتي دوركم!

 

ردّ: القيادة الفلسطينية قلّلت من شأن الأمر، وقالت إنّها مجرّد أفكار، وهذا بالطبع ليس مفهوماً، فهناك الوفد الأردني الفلسطيني المشترك، وهذه تبدو طعنة في الظهر!

 

ودخلنا في حوار وتحليلات، وبدا أنّ الموقف الأردني المعلن سيكون الصمت، ولكنّ من الطبيعي أنه سيبدأ في إعادة حساباته من أساسها، وسيكون التحسّب عنواناً لعمله، وفي تقديري أنّ الحسين الراحل اختار الكباريتي لمسك الملف لسبب كونه من الصقور، ويحمل تاريخياً وجهة نظر صارمة في التعامل مع القيادة الفلسطينية.

 

وفي تقديري، أيضاً، أنّ الأردن لم يُفاجأ في العام التالي حين أُعلن عن صفقة أوسلو، القناة السرية التي أوصلت إلى الاتفاق المعروف، وبقيادة السيد محمود عباس أيضاً، ومن الطبيعي أن يحتلّ عبد الكريم الكباريتي بعدها منصب وزير الخارجية.

 

وللحديث بقية!

 

left

شارك هذا المقال

Submit من إعسار صحافي”… وثيقة مفاوضات سريّة اسرائىلية فلسطينية الكباريتي وعريقات، وإكرام الخبر نشره! in Delicious Submit من إعسار صحافي”… وثيقة مفاوضات سريّة اسرائىلية فلسطينية الكباريتي وعريقات، وإكرام الخبر نشره! in Digg Submit من إعسار صحافي”… وثيقة مفاوضات سريّة اسرائىلية فلسطينية الكباريتي وعريقات، وإكرام الخبر نشره! in FaceBook Submit من إعسار صحافي”… وثيقة مفاوضات سريّة اسرائىلية فلسطينية الكباريتي وعريقات، وإكرام الخبر نشره! in Google Bookmarks Submit من إعسار صحافي”… وثيقة مفاوضات سريّة اسرائىلية فلسطينية الكباريتي وعريقات، وإكرام الخبر نشره! in Stumbleupon Submit من إعسار صحافي”… وثيقة مفاوضات سريّة اسرائىلية فلسطينية الكباريتي وعريقات، وإكرام الخبر نشره! in Technorati Submit من إعسار صحافي”… وثيقة مفاوضات سريّة اسرائىلية فلسطينية الكباريتي وعريقات، وإكرام الخبر نشره! in Twitter