2020-02-17

من “إعسار صحافي”: نايف الطورة وخالد الكساسبة ولعنة الهروب والهجرة والرحيل!

left

 

1

 

لعلّ أصعب ما مرّ علينا، في هذا العُمر، كان في الرُبع الثالث من التسعينيات، فقد تناولت الإعتقالات كثيراً من الزملاء، وسُجّلت مئات القضايا الكيدية على غيرهم، وصار الواحد منّا يتحسّس جسده ليتأكّد من أنّه هنا، على قيد الحريّة، أم هناك على قيد الحبس، وما بينهما ظلّ الوقوف أمام المحكمة مصيراً أسبوعياً، مرّة أو إثنتين، للذين أسعفهم حظّهم بـالحريّة”!

 

تلك أيّام كانت صعبة فعلاً…

 

 وفي ليلة سهرنا في بيت لا يضمّ سوى غُرفة واحدة، هو بيت الراحل المشرّد حينها المرحوم سامي الزبيدي، وحين خرجنا قُبيل الفجر، في مسيرة تضمّ خمسة زملاء على الأقلّ، أمسك خالد الكساسبة بيدي ودفعني إلى جانب الطريق المؤدّي نزولاً إلى شارع الجامعة الأردنية، وأسرّ لي: سأهاجر إلى أميركا!

 

كان خالد خرج حديثاً من سجن لأسباب باهتة، وكان قبلها بالتأكيد أحد أبنائي الحقيقيين في الصحافة، فقد عمل معي في أسبوعية آخر خبر، وما زال وقتها في سنته الجامعية الثالثة، ومع الأيام صرت أفرد له مساحة نصف صفحة تحمل إسمه، وينشر فيها أخباراً مختصرة تتعلّق بالمجتمع السياسي الأردني، وحفلت بسخرية صار يعرف بها بعدها، وسرقه منّي الزميل نايف الطورة بعد إصداره البلاد، فتدرّج فيها إلى أن أصبح رئيساً  مسؤولاً للتحرير، وصولاً إلى الضرب والسجن!

 

لم يكن خالد يسألني عن رأيي، ولكنّه كان يُقرّر حقيقة هجرته، ومع محاولتي ثنيه، وكلّ الكلام الجميل المعتاد عن بلدنا التي ستعود جميلة، مع قليل من الصبر، لم يقابلني سوى بقوله:

ستلحقني يا أبا إبراهيم، وستجدني في إنتظارك في أميركا، وأتمنى أن يكون كلامي بيني وبينك، فحسب..

 

قُلت له: على كلّ حال يا صديقي فالتأشيرة تأخذ عادة وقتا طويلاً، وستكون خلالها مساحة زمنية كافية في ذهنك لإعادة التفكير، فردّ عليّ بثقة أنّه حصل على تأشيرة من نوع خاص، وبسريّة مطلقة، فألححت عليه بعدم السفر، ولكنّه كان قد عزم أمره وشدّ رحاله، وبعد أيام قليلة، كان خالد قد سافر…

 

هاجر خالد الكساسبة!

 

2

 

 

كانت تربطني، أيامها، بكلّ الصحف الأسبوعية علاقات حميمة، من أصحابها إلى الزملاء فيها، وكُنتُ أكتب فيها كلّها تقريباً، حتى قال زميلي وصديقي الأستاذ محمد الخطايبة لي في يوم: أنت كاتب يومي، ولكن في صحف مختلفة!

 

ومن تلك الصحف، كانت أسبوعية البلاد، لصاحبها الأستاذ نايف الطورة، وفي ليلة ظلماء كان نايف يُختطف إلى حيث ما لا ندري، وأربعة من زملائه يُساقون إلى السجن، لسبب أحداث الكرك، وقام ما تبقّى من الزملاء هناك بإعداد الصحيفة، وأرسلوها للطباعة كالمعتاد في الدستور، ولكنّ إتّصالاً وردهم من مدير المطبعة بالمنع.

 

لم يكن لي فيالبلادأيّ صفة رسمية، ومع ذلك فقد بلغ اليأس بالزملاء هناك بأن اتّصلوا بي شارحين المشكلة، فذهبت بمعية المرحوم سامي الزبيدي، وعلمت بأنّ المطبعة تتحجّج بأنّ صاحب الجريدة ورئيس تحريرها المسؤول في السجن، وهذا يعني أنه ليس هناك من مسؤول عن هذا العدد!

 

اتّصلت بالأستاذ سيف الشريف، وكان مديراً عاماً لـالدستور بالاضافة إلى كونه نقيباً للصحافيين، فأبلغني الأمر نفسه، لأردّ عليه بأنّني أتحدّث إليه باعتباره نقيباً، وأنا من الهيئة العامة، فقدّم لي حلاّ سريعاً: إذا وقّعت لي على ورقة تُفيد بأنّك مسؤول عن هذا العدد فسأسمح بالطباعة، وهذا ما كان!

 

المعروف، أنّني أصلاً كُنتُ استنفرت نفسي قبلها بيوم، وذهبت إلى البلاد وأعددت عدداً نارياً، واضعاً صور الزملاء المعتقلين على الصفحة الأولى، وكتبت تحليلاً إخبارياً حمل عنوان:”الحكومة على الحافة!”، وأبرزت خبراً مفادها أنّ أغنية يا حبيبي يا جنوب لجوليا بطرس هي الأكثر مبيعاً في الأردن هذا الأسبوع، وباختصار: كان العدد متفجّراً!

 

وأشكر الآن، وبأثر رجعي، الأستاذ سيف الشريف على السماح بالطباعة والتوزيع بهذه الظروف الاستثنائية، ولا أبالغ إذا قُلتُ إنّ ذلك العدد قد نفد في يوم صدوره، وصار حديث الناس، وبعدها بأيام خرج الزملاء من السجن، وفوجئوا بما جرى، ولا أنسى نايف الطورة وهو يكاد يبكي أمامي، مقدّماً الشكر والإمتنان.

 

كان نايف قد عرض عليّ قبلها، وربّما عشرات المرات، أن أرأس تحرير البلاد، ولا أنسى أنّه وسّط أصدقاء حميمين، وشخصيات متنفّذة، ولكنّني كنتُ أعتذر لسبب أنّ آخر منصب صحافي لي كان رئيس تحرير صحيفة يومية، وليس لائقاً أن أصبح رئيس تحرير أسبوعية، وأكثر من ذلك، فقد أسس شركة لاصدار صحيفة أسبوعية برأسمال كبير، نصف مليون دينار)، ووضع إسمي مساهماً بخمسة آلاف، لا أدفع منها شيئاً، وهي لمجرد وجودي رئيساً لتحريرها!

 

3

 

وكان، قُبيل إعتقاله، أبلغني بالتفاصيل، ورجاني أن أوافق، وهكذا ومع خروجه الدرامي من السجن، وظهور ذلك العدد التاريخي فعلاً، كان يُجدّد عرضه لرئاسة التحرير، ولأنّ التحدّي المهني والسياسي غلبني، وافقت وصدرت الموافقة الرسمية خلال أيام، وهكذا أصبحت رئيساً لتحرير البلاد”!

 

أصدرت عدّة أعداد مميّزة باعتراف الجميع، فغيّرت شكلها التقليدي، واستكتبت سياسيين كباراً، وكتب نايف زاويته في الصحيفة مُعلناً بسخرية أنّه يخشى ألاّ أسمح بمقالته لسبب معاييري المهنية الصارمة، وكان كلّ شيئ يسير على الصراط المستقيم، وفي ليلة إصداري العدد الخامس أو السادس، أو غيره لا أتذكّر تماماً، كان نايف يسهر في مكتبي، وبعثنا العدد إلى المطبعة، وغادرنا المبنى، ونحن نتحادث عن الشركة الجديدة ذات الرأسمال الكبير، تلك التي ستخترق أسوار البيع في الخارج، وتنتشر عربياً!

 

وما أزال أذكر ظُهر اليوم التالي تماماً، فقد كنتُ وصلت إلى مكتبي للتوّ، أحتسي قهوتي، وأمامي العدد الجديد من البلاد، ليدخل الأستاذ تاج الدين الحروب، شقيق الصديق رياض، حاملاً حقيبة سامسونايت، وقبل أن يصل فنجان قهوته فتح الحقيبة وأخرج أوراقاً مطبوعة وقدّمها إليّ، قائلاً: إشترينا البلاد، وصرنا أصحابها منذ الآن، ونتمنى منك أن تواصل عملك رئيساً للتحرير بالشروط التي تراها مناسبة لك!

 

كان أوّل سؤال ورد إلى ذهني هو: وماذا عن نايف؟

 

قال: صاحبك الآن يُغادر أجواء الأردن، على متن طائرة ستقلّه إلى أميركا…

 

وأضاف: نايف هاجر!

 

الخبر أتى كالصاعقة، فالرجل المهاجر كان في مكتبي قبل ساعات، ولم يكلّف نفسه عبء إخباري بسفره، كما جرى مع خالد الكساسبة، والأستاذ تاج الذي أكنّ له ولعائلته المودة والتقدير، يعرض عليّ الآن وظيفة كنتُ قبلتها أصلاً كرماً منّي، فأطفأت سيجارتي، ووقفت، وقُلت له كلاماً يليق بكرامتي يتعلّق بنايف وبظروف البيع والشراء…

 

وغادرت…

 

ولم أعد إلى هناك أبداً!

 

والحديث رحيل وهجرة الصحافيين، الذين تحوّلوا في الخارج إلى معارضين متطرفين، يخرقون السقوف المنطقية، يطول ويطول، وسيكون له أكثر من بقية!

 

 

left

شارك هذا المقال

Submit من “إعسار صحافي”:   نايف الطورة وخالد الكساسبة ولعنة الهروب والهجرة والرحيل! in Delicious Submit من “إعسار صحافي”:   نايف الطورة وخالد الكساسبة ولعنة الهروب والهجرة والرحيل! in Digg Submit من “إعسار صحافي”:   نايف الطورة وخالد الكساسبة ولعنة الهروب والهجرة والرحيل! in FaceBook Submit من “إعسار صحافي”:   نايف الطورة وخالد الكساسبة ولعنة الهروب والهجرة والرحيل! in Google Bookmarks Submit من “إعسار صحافي”:   نايف الطورة وخالد الكساسبة ولعنة الهروب والهجرة والرحيل! in Stumbleupon Submit من “إعسار صحافي”:   نايف الطورة وخالد الكساسبة ولعنة الهروب والهجرة والرحيل! in Technorati Submit من “إعسار صحافي”:   نايف الطورة وخالد الكساسبة ولعنة الهروب والهجرة والرحيل! in Twitter