كيف لنا أن نحاول النظر نحو صورتك المعلقة على جدراننا
فلا نجد إطارها ونجد صورتك في حجم الجدار
كيف نصدق انك لم تعد تتحدث الينا
وانك لم تعد تستمع الينا،
وأنك لم تعد تقود عربتك في شوارعنا وأزقتنا
وانك لم تعد تتوقف لتشرب كوب شاي من اباريقنا
وانك لم تعد تمر على بيوتنا
وتنظر من نوافذنا
حتى اذا رأيت طفلاً بلا غطاء غطيته في هدوء
أو كهلاً بلا عكاز اسندته الى كتفك
وأماً بلا فرح واسيتها واخرجت منديلك من جيبك
لتمسح دموعها وتمسح احزانها.
في ذلك اليوم السابع من شباط
أدخلتنا قلبك وصدرك وعينيك ثم ارتحلت
كأن رحيلك مثل أي رحيل
وكأن غيابك مثل أي غياب
وكأن كل ما منحتنا في حياتك من الفرح
يمكن ان يبقى لنا ساعة واحدة
لحظة يجيء حزننا على رحيلك الموجع
(3)
كنت تدير قرص هاتفك لتتحدث الى واحد منا
فاذ بنا جميعا نتلقى مكالمتك الهاتفية
وكنت تسأل عن احوال مريض فينا
فيشعر كل المرضى ان الدواء الذي انتظروه قد وصل
جئت الينا في الرابع عشر من تشرين الثاني
من عام الف وتسعمائة وخمسة وثلاثين
ورحلت عنا والينا في السابع من شباط
من عام الف وتسعمائة وتسعة وتسعين
كم كانت الصحبة قصيرة والرحلة قصيرة والرحيل موجعا.
حاولنا دائما ان نحمل معك هذا الوطن الطيب الجميل
ثم اكتشفنا يوم رحيلك انك كنت تحمل على كتفيك
الوطن وأهله ودفئه ومتاعبه وأحلامه
كانت المعادلة صعبة، وجعلناها بما لم نستطع ان نعطيك
أكثر صعوبة واكثر تعبا واكثر ثقلا
وصارت المعادلة موجعة اذ لم نكن نصدق
أنك ستغيب يوما عنا.
وها أنت غبت وها نحن غائبون
(4)
لم نرك يا سيدنا منذ عشرة اعوام
واشعر اليوم ان كل حصتي من الفرح والامن والطمأنينة
قد نلتها وانت هنا وقبل ان تمضي الى الله،
وصاياك في عقلي وقلبي، وكلماتك على ورقي وفي حبري
ورسائلك تحيط بي حتى لا اسقط او اجبن او اساوم.
دفئك ملء صدري وبيتي، وصوتك لم يغب ولن يغيب عني
ها دروسك تملأ كتبي ودفاتري، وعشقك للوطن والناس
والشيوخ والعجائز والاطفال والجنود والضباط
يرسم طريقي في حاضري كما في أمسي،
وفي غيابك كما في حضورك.
فكيف يا سيدي أخون امانة حملتني اياها رسالة عمر
او اخذل وطنا اعرف مثل الجميع كم اعطيته
من ايامك ونهاراتك ولياليك وساعاتك
وصحوك الطويل ونومك القليل ساهرا على ابوابنا ونوافذنا
كيف اخذل وطنا لم تخذله او اخذل اناسا لم تخذلهم
كيف انسى ما علمتني او اصحو على غير ما تركت في القلب
والعقل والورق والحبر
عليك سلام الله ولك رحمته وطمأنينته وجنته
ايها الراحل فينا والمقيم فينا
عليك السلام كله، ومنا الاعتذار كله
فليس في لغتنا ما يسعفنا ان نقول اكثر.
kmahadin@hotmail.com
خالد محادين
آخر التعليقات...
أضف تعليقك...
من الضروري تعبئة كافة الخانات ومن ضمنها حقل الترميز في اسفل الصفحة كما تبدو تماماً والتأكد من اعطائك رسالة "شكراً لك" ، لغايات الخصوصية أو يمكنك التواصل معنا بتعليقاتك عبر الرابط الموجود في الصفحة الأولى