
تختار "اللويبدة" الزميل الأستاذ فهد الخيطان من "العرب اليوم" كاتب الأسبوع الأردني حسب معاييرها التي بات يعرفها قارئنا جيداً.
وليس لأنّ فهد الخيطان يحمل الإسم الأوّل للدكتور فهد الفانك صنّفه الأخير بأنّه خليفته في الكتابة اليومية التي تحظى بأعلى الإهتمام الشعبي والرسمي، حسب ما قاله لنا أستاذنا الحبيب في مقابلة سابقة، ولكنّ لأنّ الكاتب الذي يصعد كالصاروخ في مصداقيته أمام الناس يستأهل الأمر فعلاً.
ضميرنا كالعادة مرتاح، وفهد الخيطان هو كاتب الأردن لهذا الأسبوع، وإقرأوا معنا مقالاته السبع الأخيرة.
متى تصبح استقالة الوزير واجبة؟
اعتذرت الحكومة للشعب عن اخطاء "التوجيهي" وما سببته من ارباك ما زال مستمرا, واعترف وزير التربية امام مجلس الوزراء بالمسؤولية عما حدث, وعبّر عن اسفه وطلب المغفرة عن »القلق« الذي سببته "وزارته" للحكومة.
رئيس الوزراء بدوره شكل لجنة تحقيق لتحديد المسؤولين عن "الخطأ التقني البشري" في وزارة التربية ومحاسبتهم.
وتفيد المعلومات الاولية ان عددا لا بأس به من كبار موظفي الوزارة والفنيين الصغار سيدفعون الثمن بتهمة "الاهمال الوظيفي والتقصير في اداء الواجب" وستوصي اللجنة في تقريرها بتطوير البرامج الالكترونية في وزارة التربية وتجديد شبكة الحاسوب وتفعيل ادوات الرقابة والمتابعة ورفد دائرة الحاسوب بالكفاءات الفنية, وستُستثمر "الفضيحة" لسلب وزارة التربية صلاحياتها المتعلقة بادارة الامتحانات والمناهج وتأهيل المعلمين ونقلها الى مركز مستقل لتطوير التعليم يجري العمل على اطلاقه.
هذه الخطوات على اهميتها لا تبدو في نظر الرأي العام كافية للتوقف عن المطالبة باستقالة وزير التربية الذي اقر بالمسؤولية عن "الاخطاء", لان مبادئ المساءلة والمحاسبة التي التزمت الحكومة في ردها على كتاب التكليف السامي بتطبيقها على "القائمين على خدمة الشعب في الحكومة وفي جميع المؤسسات" هي وحدة واحدة لا تتجزأ يلتزم بها الوزير قبل الموظف.
والقضية هنا ليست "عاطفية" او رغبة بالانتقام من شخص الوزير, فهو رجل صاحب خبرة ومكانة محترمة لا يجوز المس بها او التقليل من شأنها وانما التزام بمعايير الوظيفة العامة وتقاليدها في الدول المتحضرة التي تحكمها المؤسسات وسلطة القانون.
والاستجابة الى رغبة الرأي العام ليست دليل ضعف للحكومة او الوزير انما هي ارقى تعبير عن احترام ارادة الناس, والاستقالة اذا ما حصلت ستزيد من احترام الناس للوزير وترفع من رصيد الحكومة الشعبي ولعل ذلك يعينها وهي تستعد لقرارات اقتصادية صعبة.
ونحن هنا لا نجادل في عمل غير مسبوق, ففي العقد الاخير ارست حكومة معروف البخيت تقليدا محمودا يتعين على الحكومات من بعدها السير عليه, فعندما حدث تلوث المياه في منشية بني حسن قدم وزيرا المياه والصحة استقالتيهما وتحملا بشجاعة المسؤولية السياسية والاخلاقية فيما تولت لجنة تحقيق تحديد المسؤولية القانونية واصدرت حزمة عقوبات وقرارات تأديبية بحق موظفين في الوزارتين.
اذا كانت مأساة بحجم "التوجيهي" او اختلاسات مالية في وزارة او تلوث مياه الشرب لا يستدعي استقالة الوزير فمتى تصبح الاستقالة واجبة?
وأين هي حدود المسؤولية التي وضعها الدستور على الوزراء اذا كان كل ما يتصل بعمل الوزارة وعلاقتها مع المواطنين غير مشمول في قائمة الواجبات?
الاستقالة استحقاق سياسي لا بد منه سواء كان عمر الحكومة سنة واحدة او يوما واحدا.
فضيحة التوجيهي .. من يتحمل المسؤولية الاخلاقية?
لماذا كل هذه الضجة? فما حصل »لم يكن بالخطورة التي تم تصويرها« يقول وزير التربية والتعليم د. ابراهيم بدران لوكالة عمون الاخبارية بعد ساعات على فضيحة التوجيهي. المسألة بسيطة للغاية, مجرد خطأ فني يتعلق بنتائج الدراسة الخاصة »41 الف طالب« ولم يكن بمجموع العلامات وانما كان بوصف النتيجة والقول هنا ما زال للوزير.
لم اتصور للحظة ان شخصية اكاديمية وليبرالية بوزن الدكتور بدران تنظر للأمر بهذه السطحية.
عشرات الآلاف من الطلبة تجمهروا بالأمس امام مديريات التربية في ارجاء البلاد كافة غاضبين ومحتجين على اخطاء شنيعة وقعت في كشوف علاماتهم تضع مستقبلهم الاكاديمي في مهب الريح.
الا يعرف وزير التربية ان »الازاحة« في النتائج تخص الامتحان الوطني - »التوجيهي« - الذي تقرر نتيجته مستقبل آلاف الشبان?
الا تدرك الوزارة التي لم يسبق لها ان وقعت بمثل هذا الارباك والفوضى ان »الخطأ الفني«قد اصاب مصداقية التوجيهي في مقتل?
لن تجد بعد اليوم من يعترف بأنه اخفق في التوجيهي, فكل طالب »راسب« سيحمل وزارة التربية مسؤولية فشله وسيكون من الصعب على المتفوق ان يباهي بتفوقه في امتحان تحوم حول نزاهة نتائجه الشكوك.
المعلومات المتسربة من وزارة التربية تشير الى ان مسؤولين في الوزارة كانوا يعلمون بوجود اخطاء تستدعي تأخير اعلان النتائج لحين تصويبها غير ان الوزير رفض حججهم واصر على اعلان النتائج صباح السبت تحت ضغط الجمهور.
فماذا كانت النتيجة?
النتيجة ان الوزير وبينما كان يستعرض النتائج للصحافيين, كان المئات من الطلبة يتدفقون نحو مبنى الوزارة مطالبين بالغاء النتائج واستقالة الوزير.
والوزير الاكاديمي والليبرالي العريق لم يعر اهتماما لما سببته »الاخطاء الفنية« من معاناة نفسية ومعنوية لعشرات الالاف من الاسر وما ترتب على »الازاحة« من احراج للحكومة, رمى كل ذلك جانبا واعلن بكل حزم »لم ولن استقيل«. وكأن مصير كرسيّه الوزاري اهم في هذه اللحظة من مصير الالاف من ابنائنا!
عندما اعتمدت حكومة الرفاعي مدونات السلوك كأسلوب لمعالجة المناطق الرمادية في العلاقة تبين السلطات كانت بذلك النهج تضع المسؤولية الاخلاقية في مرتبة واحدة مع المسؤولية القانونية.
وفي فضيحة التوجيهي بُعد اخلاقي يستدعي استقالة الوزير قبل البعد القانوني فالأخير يتحدد بلجان التحقيق والمراجعة ويخص موظفين وفنيين معرّضين للوقوع بالخطأ, اما الوزير فهو صاحب المسؤولية في الحالتين وهو الذي يقسم اليمين امام الملك ويلتزم بخدمة الأمة والقيام بالواجبات الموكولة له بأمانة. وحسب الفقرة »أ« من المادة 47 من الدستور فإن »الوزير مسؤول عن ادارة جميع الشؤون المتعلقة بوزارته....«.
حقا انه اسلوب غير لائق
لا يكتفي وزير الزراعة بفصل عمال مياومة مسحوقين من عملهم بل ويطرد ممثلهم من رئاسة الوزراء بعد شتمه واهانته. غضب الوزير من قول رئيس لجنة عمال المياومة محمد السنيد للوزيرين سعيد المصري وجمال الشمالية: »انتما لا تستطيعان حل قضية العمال فلماذا نجتمع«.
لا اجد في قول السنيد ما يبرر اقدام الوزير المصري على اهانة مواطنين لجأوا الى رئاسة الوزراء لانصافهم. فالوزير ذاته قال للزميلة الغد بعد »المشادة« كلاما لا يختلف في مضمونه عما قاله السنيد. حين بين »ان القرار اولا واخيرا يعود الى رئيس الوزراء...« ويعني قرار اعادة العمال المفصولين الى عملهم.
والسنيد وزملاؤه لم يلجأوا الى رئاسة الحكومة الا بعد ان اخفقوا في التوصل الى حل مرضِ مع وزير الزراعة فقد اجتمعوا بمعاليه واعتصموا امام مكتبه فقرروا التوجه الى رئيس الوزراء وهناك اعتصموا وتلقوا وعداً بلقاء الرفاعي في اليوم التالي, وعندما حضروا في الموعد جلسوا ينتظرون 3 ساعات وإذا بالوزير المصري في وجههم من جديد مفوضا من رئس الوزراء للتباحث معهم. نتيجة اللقاء كانت معروفة سلفا فالطرفان التقيا من قبل ولم يتوصلا الى نتيجة فما جدوى اللقاء.
ربما يكون الرفاعي انشغل فعلا ولم يسعفه الوقت للقائهم والحل الأنسب في هذه الحالة هو تأجيل اللقاء الى يوم اخر مع الاعتذار للعمال بدل طردهم وشتمهم.
العمال الذين تجمعوا امام الرئاسة ليسوا من هواة الاعتصامات والاضرابات, ومن تطلع الى وجوههم الحزينة والمتعبة سيدرك من النظرة الاولى انهم مواطنون مساكين ومسحوقون لا يسعون لاكثر من وظيفة بسيطة تؤمن لهم حياة كريمة. وبعضهم متقدم في العمر ولو كان يعيش في دولة اخرى لحظي براتب لتأمين شيخوخته في منزله. لكن ضيق الحال دفع بهم الى العمل بوظيفة عامل.
الحكومات المتعاقبة تتحمل الجزء الاكبر من المسؤولية عن استمرار مشكلة عمال المياومة, عندما لجأت الى حلول جزئية وغير عادلة لأوضاعهم. لكن ينبغي الاعتراف هنا ان بعض الوزارات تمكنت من تسوية ملفاتهم ودمجهم في نظام الخدمة. اما قضية العمال الأخيرة في وزارة الزراعة فهي من صنع الوزير الحالي فهو من وقع قرارات تعيينهم وتوسع في التوظيف من دون توفير المخصصات وعاد لاصدار قرارات فصلهم بعد ان غضب منه رئيس الوزراء السابق نادر الذهبي. فوجد نفسه في الحالتين غارقا في المشكلة, فما ذنب العمال المساكين في كل ما جرى. وكيف لنا ان نقنع مواطنا حصل على وظيفة بعد »مئة وساطة« ان يتركها من دون مقابل وفي ظروف اقتصادية يعجز المقتدرون على تحملها?!.
منذ ان تولى حقيبة الزراعة لم يوفق الوزير سعيد المصري في ادارة ملفاتها فقد اخفق في »عام الزراعة« ومشروع استثمار اراضي السودان وانشاء شركة تسويق زراعي. واحيا قضية عمال الزراعة بعد ان اقتربت من الحل النهائي, وفوق هذا وذاك سلسلة اختلاسات في الوزارة لا نعرف لها نهاية.
ترى لو كان السنيد صاحب شركة او مستثمرا وتحدث بشكل »غير لائق« كما يقول الوزير هل كان سيطرد ويشتم بالطريقة نفسها أم يتفهم الوزير موقفه ويراعي اصول اللياقة والأدب معه?.
هيومان رايتس ... لا حاجة لـ "الهبة"
فهمنا من مصادر رسمية ان الحكومة تنوي التعامل مع تقرير "هيومان رايتس" حول سحب الجنسية بطريقة واقعية وان الرد سيكون مهنيا وقانونيا ولمسنا هذا التوجه في التصريحات الاولية للناطق الرسمي باسم الحكومة يوم صدور التقرير. غير ان اللهجة الرسمية عادت الى سابق عهدها بعد جلسة مجلس الوزراء مساء الثلاثاء الماضي, وخرج الناطق بتصريحات اتهامية خلت من اي رد واضح ومفصل على ما ورد في التقرير من توصيات واقتراحات. وذهب الوزير نبيل الشريف الى ابعد من ذلك عندما طالب "كافة مؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية الى الرد على هذه الافتراءات واطلاق هبة من الجميع ...".
هذا الاسلوب في الرد وضع الحكومة في موقف دفاعي ضعيف مع ان تقرير "هيومان رايتس" هذه المرة مليء بالثغرات والاختلالات التي يمكن تنفيذها بطريقة علمية ومنهجية من دون اللجوء الى "هبة" وطنية..
ان اللغة الاتهامية المسكونة بالنوايا السلبية المسبقة التي صيغ فيها التقرير تعود في الاساس الى عاملين اساسيين: الاول:- اعتماد معد التقرير على عدد محدود من الشهادات والآراء المنحازة سلفا ضد قرار فك الارتباط وهو ما ادى الى الاندفاع خلف تأويلات وتخمينات ولا تستند الى وقائع ملموسة كقوله ان 200 ألف اردني من اصل فلسطيني عادوا من الكويت مهددون بفقدان جنسيتهم.
والثاني:- عدم تعاون وزارة الداخلية مع المنظمة الدولية والامتناع عن الرد على اسئلة تقدمت بها الى الوزارة قبل 6 أشهر تقريبا.
لو ان وزارة الداخلية تعاونت مع المنظمة لجاء تقريرها اكثر توازنا وموضوعية.
والتقرير كما قال الوزير الشريف مليء بالمغالطات وقائم على الشكوك في بعض جوانبه وينطوي على لغة مهادنة تجاه اسرائيل في الحديث عن قضية اللاجئين فهو يتجاهل وجود قرار دولي ينص على حق العودة والتعويض ويكتفي بالتوصية بحل "عادل ودائم في اطار القانون الدولي".
لكن التقرير تضمن توصيات تستحق المناقشة بعيدا عن لغة الاتهامات والتخوين وهي محل نقاش في الاوساط العامة قبل ان يصدر تقرير "هيومان رايتس".
فالتطبيقات المتعددة لقرار فك الارتباط يكتنفها الغموض فعلا وتحتاج لتفسير جامع وواضح بحيث يكون لدينا »مسطرة« واحدة نقيس بها عند اتخاذ قرار باستبدال البطاقات الصفراء بخضراء.
كما ان المعاناة الانسانية الناجمة عن تجريد الاشخاص من ارقامهم الوطنية تستدعي مراجعة فورية للقوانين والانظمة بحيث نضمن للقاطنين في الاردن كافة التمتع بالحقوق المدنية والاجتماعية والحصول على الرعاية الصحية وحق التملك, كما اوصى تقرير "هيومان رايتس".
صحيح ان الحكومة غير ملتزمة بالرد على كل تقرير يتناول الاردن لكنها اذا ما قررت التعامل معه فعليها الابتعاد عن الاسلوب التقليدي وتتعامل بلغة مقنعة وغير عدائية مهما كانت نوايا الطرف الآخر.
الامن العام... شروط النجاح لفرض هيبة القانون
واجه جهاز الامن العام في الاشهر الاخيرة ضغوطا واسعة لانهاء ما بات يعرف بالمناطق الساخنة التي يتحصن فيها مئات المطلوبين للقضاء في قضايا جرمية مختلفة.
ومع التزايد المستمر في حالات العنف الاجتماعي والاعتداء على المواطنين ورجال الامن والممتلكات العامة وجد الجهاز نفسه امام مسؤولية استعادة هيبة الدولة والقانون في شقها الامني.
الحال الذي وصلنا اليه لم يكن وليد الساعة انما محصلة لاخطاء متراكمة تتحمل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة والطبقة السياسية برمتها اضافة الى تقصير جهاز الامن ذاته وخضوعه للاعتبارات السياسية والعشائرية على حساب القانون.
مواجهة الاشكاليات المتراكمة والمرحّلة من الماضي تتطلب خطة شاملة لتطوير اداء جهاز الامن العام ومأسسة عمله من جهة والاستعداد لدخول المواجهة مع المطلوبين بكل ما تتطلبه من تضحيات.
ولم يكن بوسع الامن العام ان يخوض المعركة مع المطلوبين في المدن والارياف والمخيمات من دون دعم الاهالي الذين دفعوا من امنهم وحياتهم اثمانا باهظة.
اخذ مدير الامن العام اللواء مازن القاضي على عاتقه تنفيذ حملات امنية في عدة مناطق للقبض على المطلوبين, لكنه استبق كل حملة باجتماعات مع الاهالي لكسب دعمهم وفي بعض المناطق كانت المبادرة تأتي من الاهالي بعد ان ضاقوا ذرعا بسلوك المطلوبين والخارجين على القانون.
وحرصت المجموعات الامنية المعنية بتنفيذ الحملات على تجنب اراقة الدماء عند ملاحقة المطلوبين وجلبهم امام العدالة احياء في العملية التي نفذت على مقربة من الحدود الاردنية السورية للقبض على مطلوب بسجل جرمي طويل كان يحاول الهرب خارج البلاد امتنعت القوة الامنية عن اقتحام المنزل الذي كان يتحصن فيه المطلوب الى حين اخلاء سيدة وطفلها كانا في الغرفة المجاورة لغرفة المطلوب المسلح ببندقية رشاش.
وضع الامن العام المواطنين امام مسؤولياتهم وتولى من جهته تنفيذ واجبه من دون تهاون او خضوع لتدخلات الوجهاء واصحاب النفوذ, كما كان يحصل في السابق.. بالنتيجة تمكن من القبض على اكثر من 500 مطلوب في عدة مناطق والحملة ما زالت مستمرة لتنظيف بؤر اخرى.
وفي الاثناء كانت الجهات المعنية في الدولة تعمل على اعادة تنظيم العلاقة بين جهازي الامن العام والدرك ووضع نظام اكثر فعالية للتدخل السريع.
يدرك قادة جهاز الامن العام ان الحملات الامنية الموسمية ليست الحل الدائم وان فرض سلطة القانون يحتاج الى عملية مؤسسية دائمة عمادها جهاز امني فعال ومتطور يحرص على رفع كفاءة منتسبيه وقبل ذلك نزاهتهم الى جانب التزام اكبر ونهائي من طرف القوى والشخصيات النافذة في الحكومات والدولة بعدم التدخل لحماية مطلوبين للقضاء.
اذا لم تتوفر هذه الشرط والضمانات فان جهاز الامن العام الذي قارب عدد منتسبيه الستين الفا سيجد نفسه في مواجهة المناطق الساخنة دائما.
تفاهمات اردنية امريكية على حدود الاصلاح
تقاطرت على المملكة في الاسابيع الاخيرة عدة وفود امريكية تمثل وزارة الخارجية ومؤسسات مانحة في اطار مراجعة دورية لمسار الاصلاحات في الاردن, وفي العادة يكون لنتائج هذه العملية تأثير مباشر على المساعدات الاضافية التي يسعى الاردن للحصول عليها من الولايات المتحدة لتمويل برامج تنموية.
ومن بين المؤسسات التي زار ممثلوها عمان صندوق الالفية الذي يقدم مساعدات للدول خارج نطاق المنح المخصصة سنويا من الادارة الامريكية ويربط الصندوق المساعدة بمدى التقدم الذي يحققه اي بلد في المجالات المتعلقة بحقوق المرأة والطفل والبيئة التشريعية.
ومن ابرز الشخصيات التي زارت البلاد مساعدة وزيرة الخارجية الامريكية التي عقدت اجتماعا غير مسبوق مع ممثلين لوسائل اعلام ومواقع الكترونية واكدت في اللقاء دعمها لحرية المواقع الالكترونية لكنها ابدت معارضتها لمبدأ فرض الاصلاحات على الدول من الخارج واكدت دعم الادارة الامريكية لبرامج الاصلاح النابعة من الداخل والمتوافقة مع مصالح كل بلد وخصوصياته.
اللقاءات التي جرت بين المسؤولين الامريكيين والاردنيين اتسمت بالصراحة والوضوح, المطلب الذي شكل قاسما مشتركا للمبعوثين الامريكان كان تعديل قانون الانتخاب على نحو يتيح تمثيلا كاملا للاردنيين من اصل فلسطيني, والى جانب ذلك طرح اكثر من مسؤول امريكي ملف الاردنيات المتزوجات من غير الاردنيين ودعوا الى منح ابنائهن وازواجهن الجنسية الاردنية وذلك في اطار الحديث عن المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء. كما تناولت المناقشات ضرورة تحسين مستوى مشاركة المرأة في صناعة القرار والتمثيل النيابي. واكد المسؤولون الاردنيون للوفود الزائرة ان النية تتجه لزيادة الكوتا النسائية في البرلمان بحيث تصبح 12 مقعدا بدلا من ستة.
دار نقاش طويل على تلك المواضيع وشرح وزراء في الحكومة باسهاب للجانب الامريكي المحاذير المترتبة على تغيير معادلة التمثيل الديمغرافي في البرلمان والموانع القانونية والسياسية التي تجعل من هكذا تغيير خطرا على هوية الدولة الاردنية وعلى حق الفلسطينيين في العودة والتعويض واوضحوا التداعيات المترتبة على هذا الاجراء قبل التوصل الى اتفاق سلام شامل ونهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
الجهود التي بذلها المسؤولون لشرح وجهة النظر الاردنية اثمرت تفهما امريكيا غير مسبوق لتلك المحاذير والاعتبارات ووجد الجانب الاردني دعما من طرف السفير الامريكي في عمان ستيفن بيكروفت والذي توصل بحكم معايشته الواقع الاردني الى قناعة مغايرة واكثر واقعية من تلك القائمة عن بعد عند المسؤولين في واشنطن.
في المحصلة خرج المسؤولون الموفدون الى الاردن بان البديل الواقعي والممكن هو القيام بخطوات تدريجية للاصلاح خاصة فيما يتعلق بقانون الانتخاب وتجنب القفزات السريعة لان نتائجها ستكون وخيمة على الاردن ووحدته الداخلية.
الحكومة ستكون خلال الفترة المقبلة متحررة من الضغوط الخارجية ويمكنها ان تمضي في خطط تطوير قانون الانتخاب بما يتوافق والمصلحة الوطنية الاردنية وحاجات الاصلاح السياسي والحزبي. لكن ما نخشاه ان يسعى البعض الى استغلال ذلك لابقاء الوضع على حاله وكأن التغيير المطلوب هو المفروض من الخارج وليس الذي تفرضه الحاجات الداخلية.
تصريحات الملك.. برنامج عمل للحكومة والمعارضة
ربما هي المرة العاشرة التي نسمع فيها جلالة الملك عبدالله الثاني يعلن رفضه للخيار الاردني في الضفة الغربية. بعد فترة قصيرة من تسلمه مقاليد الحكم تحدث الملك لأول مرة في الموضوع, منذ ذلك الوقت المبكر بدا جلالته واضحا في رؤيته لطبيعة الصراع العربي الاسرائيلي ولم يشأ تجربة الخيارات المجربة او الوقوف في المنطقة الرمادية للعلاقة الاردنية الفلسطينية والتي طالما اثارت الشكوك لدى الطرفين, كان واضحا وحاسما في موقفه تجاه الحل العادل والممكن تاريخيا للصراع على مساره الفلسطيني وتبني سياسة معلنة شعارها »حل الدولتين«.
في الاثناء كانت اسرائيل تميل اكثر فاكثر باتجاه اليمين متجاهلة المواقف العربية والدولية الداعمة لحق الفلسطينيين في الاستقلال والحرية واقامة الدولة المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف.
ومع الميل المتنامي نحو اليمين ازدادت اسرائيل عنصرية, فبينما كان الوطن البديل مشروع اليمين في اسرائيل اصبح الخيار الاردني او ما يعرف بالدور الأمني للاردن في الضفة الغربية خيار اليمين واليسار الصهيوني. وانتهجت الحكومات الاسرائيلية بتلاوينها المختلفة سياسة تجعل من هذا الخيار الحل الوحيد المتاح على الأرض, وتعالت اصوات صهيونية متطرفة تخير الاردن اما القبول بالدور الامني في الضفة الغربية او الرضوخ لفكرة الوطن البديل المجنونة ووصل الآن الى حد تبني مشروع قانون في الكنيست للنائب المتطرف آلداد.
كان يمكن للأردن ان يتجاهل هذه الاصوات في الكنيست او في حكومة نتنياهو, بيد ان فشل جهود السلام الامريكية وضع الاردن في موقف يستدعي منه التصدي وبقوة للخطاب الاسرائيلي الذي بات يستهدف الاردن ارضا وشعبا وكيانا.
ولذلك لم يفت الملك مناسبة سياسية او اعلامية الا ويعيد التأكيد فيها على رفض الاردن »مجرد الحديث« في حلول او مشاريع غير »حل الدولتين« او حل الدولة الديمقراطية الواحدة على ارض فلسطين التاريخية ان شاءت اسرائيل ذلك الحل بكل ما يستتبع من استحقاقات تمليها الحقائق الديمغرافية.
في حديثه الاخير لشبكة C.N.N بدافوس عاد الملك ليؤكد على الموقف ذاته من الحلول والمشاريع الاسرائيلية مكررا العبارات نفسها التي قالها على مدى سنوات مضت, ونرى فيه تأكيدا مرغوبا ومطلوبا باستمرار, فهو من ناحية يقطع الطريق على اي محاولة اسرائيلية لحشد الدعم الدولي لبدائلها المدمرة, ومن ناحية اخرى يشيع اجواء الاطمئنان والثقة لدى الشعبين الاردني والفلسطيني ويساهم في توحيد الجبهة الداخلية حول مواقف واضحة وصارمة في مواجهة العنجهية الاسرائيلية.
كما يشكل هذا الموقف دعما مباشرا للقيادة الفلسطينية التي تتعرض لضغوط امريكية وعربية للقبول بمفاوضات وفق الشروط الاسرائيلية.
ان المواقف التي اكد عليها الملك بشأن الخيار الاردني والوطن البديل ينبغي ان تتحول الى برنامج عمل وطني للحكومة واحزاب المعارضة ويلتف حوله كل الاردنيين.