في السنة اللاولى للالفية الثالثة ، واقصد هذا التعبير للدلالة الكبيرة له ، كنت اقف في محل لبيع الخليوات في شارع الشرطة بالعاصمة ابوظبي عندما دخل ( مواطن!) اماراتي وهذا اللفظ الذي يرغب الاخوة الخليجيين باطلاقه على انفسهم ، دخل ( المواطن ) المحترم الى معرض لبيع الهواتف الخلوية ، وكان ابنه ربما ابن العامين تحمله خادمة اسيوية ، وطلب عرض احدث الموديلات من الاجهزة المتاحة ، وفعل البائع الهندي ان اخرج له مجموعة يتفرج عليها ، وكان من ابنه الصغير ان التقط هاتفا عن طاولة العرض ،
فاستثار البائع الهندي ، خوفا ان يكسره ( الجاهل! ) ، فغضب والد ( الجاهل !) وقال للبائع ، بكم ثمنه ، وكان بحدود الفي درهم ، فوضع بيد البائع الفي درهم وقال للجاهل: ( اكسر الموبايل ..!!!!)
لكن الطفل ابن العامين لم يقدر على ذلك وربما – اقول ربما – كان اعقل من والده ، فاعتقد ( الجاهل ) ان الاصدقاء الفنلنديين لم يكتشفوا هذه الاجهزة ليكسرها الجهال..!
في نفس التاريخ او يزيد قليلا ، كان برفسور كندي في الطب يلقي محاضرة في مستشفى توام الشهير في مدينة العين ، وكنت حاضرا ، وكان يحمل هاتفا نقالا من ماركة موتورولا القديم جدا والذي يشبه راحة اليد بحجمه الكبير ، ومازحه احد الاطباء العرب المقيمين بالمستشفى قائلا : ان هاتفك قديم جدا ، فرد عليه البرفسور ، اعتقد انه مازال قادرا على الكلام..!
***
ينتابني هذا التناقض الكبير ، بين ما يعتقده العالم المتحضر الذي ابتكر الموبايل من اهمية الموبايل ، وبينما يعتقده العالم العربي اليوم من مظاهر الزيف المرتبطه بهذا الجهاز الصغير الذي صار الى كل يد طفل عربي ، حتى الطفل الذي استوقفني ذات مرة امام احد محلات الشاورما في شارع عبدالله غوشة غرب العاصمة عمّان ، وطلب دينارا واحدا ليسجل مغامرة امام اقرانه ، طلب مني دينارا بحجة انه فقد نقوده ، في وسيلة شحاذة عالية المستوى لابناء الذوات ، هذا الطفل كان يحمل موبايل فاخر ، ويرتدي ( تي شيرت ) مكتوب عليه بالعريض ماركة ( اسبريت) وحذاء رياضي قدير ، وشورت جينز محترم كذلك ، مجموع ما يتجمل به ابن العشر سنوات يفوق المائتي دينار اردني ، ويطلب بمهارة دينارا..!
اتذكر ذلك وحال برفسور في الطب ، ليس معنيا بالبهرجة العربية يحمل جوالا يخجل طالب مدرسة عندنا وفقط عندنا ان يحمله بين زملائه الطلاب..!
***
من اكثر الاشياء التي اشعرتني يوما ما بالخجل من الذات العربية هذه ، ما قرأته عن مستشرق غربي كتب بعد ان زار اكثر العواصم العربية عراقة وهي صنعاء ، وشاهد ابناء القبائل يتحدثون بصراخ في الشوارع بالاجهزة الخلوية ، وسجل بعدها مقولة مؤلمة تغور في اعماق الكبرياء العربي المنهار من عهد القبائل ، سجل المستشرق بالحرف : وجدت الانسان الاول يعبث بحضارة القرن الواحد والعشرين...!
***
لا اعرف اليوم الى اين تقودنا هذه اللوثة التجارية الفارغة من التباهي في تكنولوجيا ، لم نساهم قيد شعرة فيها ، نستخدمها ونحن اجهل الناس بها ، في الوقت الذي تسجل فيه دولة عربية هي السعودية ، تسجل فيه رقما قياسيا للشركات الصانعة للاجهزة الخلوية في تبديل وتكرار استخدام الاجهزة الخلوية على مستوى العالم ، لا اعرف على وجهة الدقة كم من الاموال تنفق على ذلك ، لكنني ادرك اليوم ان
( جهالنا ) ما كانوا ليجدوا بدا من التجاهل هذا ، لولا قول المعري : (ولما رأيت الجهل في الناس فاشـيا تجاهلت حتى قيـل إني جاهـلُ)!
محمد حسن العمري
آخر التعليقات...
أضف تعليقك...
من الضروري تعبئة كافة الخانات ومن ضمنها حقل الترميز في اسفل الصفحة كما تبدو تماماً والتأكد من اعطائك رسالة "شكراً لك" ، لغايات الخصوصية أو يمكنك التواصل معنا بتعليقاتك عبر الرابط الموجود في الصفحة الأولى